ابن قيم الجوزية
641
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
لولا حفظ اللّه وعصمته . فهذا أشد من نظر العائن ، بل هو جنس من نظر العائن فمن قال : إنه من الإصابة بالعين أراد : هذا المعنى . ومن قال : ليس به . أراد : أن نظرهم لم يكن نظر استحسان وإعجاب . فالقرآن حق . و قد روى الترمذي من حديث أبي سعيد « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعوذ من عين الإنسان » فلو لا أن العين شر لم يتعوذ منها . و في الترمذي من حديث علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير حدثني حابس بن حبة التميمي حدثني أبي : أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « لا شيء في الهام . والعين حق » . و فيه أيضا من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا » وفي الباب عن عبد اللّه بن عمرو . وهذا حديث صحيح . والمقصود : أن العائن حاسد خاص . وهو أضر من الحاسد . ولهذا - واللّه أعلم - إنما جاء في السورة ذكر الحساد دون العائن . لأنه أعم . فكل عائن حاسد ولا بد . وليس كل حاسد عائنا . فإذا استعاذ من شر الحاسد دخل فيه العائن . وهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته . وأصل الحسد : هو بغض نعمة اللّه على المحسود ، وتمني زوالها . فالحاسد عدو النعم . وهذا الشر هو من نفسه وطبعها . ليس هو شيئا اكتسبه من غيرها ، بل هو من خبثها وشرها ، بخلاف السحر . فإنه إنما يكون باكتساب أمور أخرى ، واستعانة بالأرواح الشيطانية . فلهذا - واللّه أعلم - قرن في السورة بين شر الحاسد وشر الساحر . لأن الاستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن . فالحسد من شياطين الإنس والجن ، والسحر من النوعين .